فصل: (مسألة:صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[فرع: صلى بطائفة ثلاثًا]

قال في "الأم" [1/189] (وإن صلى بطائفة ثلاث ركعات، وبطائفة ركعة.. كرهت ذلك له، ولا تبطل صلاته؛ لأن الإمام لم يزد في الانتظار).
قال الشافعي: (ويسجد الإمام للسهو؛ لأنه وضع الانتظار في غير موضعه، وكذلك الطائفة الأخرى). قال ابن الصباغ: وهذا يدل على أنه إذا فرقهم أربع فرق، وقلنا: لا تبطل صلاتهم.. أنهم يسجدون للسهو.

.[فرع: العدو في جهات]

وإن كان العدو في جهتين أو ثلاث أو أربع، فإن أمكنه أن يفرقهم فرقتين: فرقة تصلي معه، وفرقة تتفرق في جميع الجهات.. فعل ذلك، وكان كما لو كان العدو في جهة واحدة.
وإن كان لا يمكن إلا أن يكونوا أربع فرق:
فإن قلنا: يجوز أن يفرقهم أربع فرق، إذا كانوا في الحضر.. فرقهم أربع فرق.
وإن قلنا: لا يجوز، أو كانت الصلاة في السفر.. فإنه يصلي بفرقتين جميع الصلاة، ثم يصلي بالفرقتين الأخريين أيضًا جميع الصلاة، ويكون متطوعًا.
ويأتي على قياس هذا: إذا احتاج أن يفرقهم ثلاث طوائف، بأن كان العدو في جهتين.. أن يصلي بطائفتين جميع الصلاة، ثم يعيدها بالطائفة الثالثة، ويكون متطوعًا مع الثالثة.

.[مسألة:صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان]

وأما صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بـ: عسفان: فلها ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون العدو في جهة القبلة.
الثاني: أن يكونوا في بسيط من الأرض، لا يحجبهم عن أبصارهم شيء.
الثالث: أن يكون في المسلمين كثرة، وفي العدو قلة، فإذا وجدت هذه الشروط.. جعل الإمام الناس صفين خلفه، فيحرم بالصلاة، ويحرمون خلفه، ويركع، ويركعون معه، ويرفع، ويرفعون معه، فإذا بلغ إلى السجود.. قال الشافعي: (فإذا سجد.. وقف الصف الذي يلي الإمام، يحرسون العدو، ويسجد الصف الأخير).
وإنما اختار الشافعي هذا، لثلاثة معان:
أحدها: أن الأولى أقرب من العدو، فهم بالحراسة أمكن.
الثاني: أنهم يكونون جُنَّة لمن وراءهم، فإن رماهم المشركون بسهم تلقوه بسلاحهم.
الثالث: لكي يمنعوا أبصار المشركين من مشاهدة المسلمين، ومعرفة عددهم، فإذا رفع الإمام رأسه من السجود.. حرس الذين سجدوا معه، وسجد الذين حرسوا.
قال الشافعي: (فإن حرس الصف الثاني في مواضعهم، وسجد الصف الأول.. فحسن، وإن تقدموا إلى الموضع الأول، فحرسوا، وتأخر الأول إلى موضعه، فسجدوا.. فجائز). فأجاز هذا؛ لكي يكون فيه مساواة بين الطائفتين، واستحسن الأول؛ لأنه ليس فيه تقدم وتأخر.
فإذا ركع الإمام في الثانية.. ركعوا جميعًا، ورفعوا معه، ويسجد معه من حرس أولًا في الأولى، ويحرس من سجد أولًا في الأولى.
قال الشافعي: (فإن سجد معه صف واحد من الركعتين.. جاز، وإن حرس بعض أهل الصف.. جاز).. هذا قول الشافعي.
وأما المروي في الخبر: فروى أبو داود في "سننه " [1326] بإسناده عن أبي عياش الزرقي أنه قال: «كنا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بـ: عسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة، لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم السلاح وهم في الصلاة، فقال بعضهم: إن بين أيديهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم، فنزل جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فأخبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك، فلما حضرت العصر.. قام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مستقبلًا القبلة، والمشركون أمامه، فصف خلف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صف، وصف بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وركعوا جميعًا، ثم سجد، وسجد الذين يلونه، وقام الآخرون، يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء السجدتين، وقاموا.. سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وركعوا معه، ثم سجد، وسجد الصف الذي يليه.. وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والصف الذي يليه.. سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعًا، فسلم بهم جميعًا». وما ذكر عن الشافعي مخالف لهذا الخبر.
قال أصحابنا: واتباع ما في الرواية أولى، ولعل الشافعي لم يبلغه الخبر، أو سها عنه، ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" إلا ما ذكر في هذا الخبر، ولكنه لم يذكر التقدم والتأخر.
واحتج بما روى جابر، وابن عباس: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى هكذا)، ولعل الشيخ أبا إسحاق صحت له هذه الرواية، أو اختار الذي استحسنه الشافعي في ترك التقدم والتأخر.

.[مسألة:اختيار أبي حنيفة]

إذا صلى الإمام بالناس صلاة الخوف التي اختارها أبو حنيفة.. فإن صلاة الإمام صحيحة؛ لأنها أخف من الصلاة التي نرويها في حق الإمام.
وأما صلاة المأمومين.. فهل تصح؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبو حامد، وغيره من أصحابنا:
أحدهما: تصح؛ لأن ابن عمر روى ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فدل على جوازها.
فعلى هذا: يكون الخلاف بيننا وبينهم في الأفضل.
والثاني: لا تصح.
فعلى هذا: ترجح أخبارنا على خبر ابن عمر بكثرة الرواة؛ ولأن فيما ذكروه أفعالًا تنافي الصلاة، أو نقول: قوله: (انصرفوا وهم في الصلاة) توهم من بعض الرواة.

.[مسألة:صلاة الإمام حال الأمن بإحدى كيفيات صلاة الخوف]

وإن صلى الإمام بالناس في حال الأمن إحدى الصلوات الثلاث التي اختارها الشافعي في الخوف.. نظرت: فإن صلى بهم صلاة بطن النخل.. صحت صلاة الإمام والمأمومين؛ لأن أكثر ما فيه أن صلاة الإمام مع الأولى فرض، ومع الثانية نفل، وذلك جائز عندنا.
وإن صلى بهم صلاة ذات الرقاع.. ففي صلاة الإمام طريقان:
قال عامة أصحابنا: تصح، قولًا واحدًا؛ لأن أكثر ما فيه أنه يطول الصلاة في حال الأمن بالقراءة، والتشهد، وهذا لا يبطل الصلاة.
وقال القاضي أبو الطيب: في صلاة الإمام قولان، كما قلنا فيه إذا فرقهم أربع فرق في الخوف، وهذا هو الأقيس؛ لأنه إذا كان في صلاة الإمام: إذا فرقهم أربع فرق في الخوف - وقد تدعو الحاجة إلى ذلك - قولان، فلأن يكون في صلاته قولان إذا فرقهم في الأمن، ولا حاجة به إلى ذلك، أولى.
وأما صلاة المأمومين: فإن في صلاة الطائفة الأولى قولين؛ لأنهم فارقوه لغير عذر، وأما صلاة الطائفة الثانية: فإن قلنا بقول القاضي أبي الطيب، وقلنا: تبطل صلاة الإمام.. نظرت: فإن علموا ببطلان صلاة الإمام.. لم تنعقد صلاتهم؛ لأنهم يعلقون صلاتهم بصلاة باطلة، مع العلم بها، وإن لم يعلموا.. انعقد إحرامهم.
وإن قلنا: إن صلاة الإمام صحيحة، إما على أحد القولين في قول القاضي، أو قولًا واحدًا، في قول غيره.. فإن إحرام الثانية صحيح.
وهل تبطل بمفارقتهم له؛ لإتمام صلاتهم؟ فيه ثلاثة طرق:
الأول: إن قلنا بقول أبي العباس، وابن خيران: إنهم إذا قاموا لقضاء ما عليهم.. فارقوا الإمام فعلًا، وحكمًا، فلا يلحقهم سهو الإمام، ولا يتحمل الإمام سهوهم.. كان في بطلان صلاتهم هاهنا قولان؛ لأنهم فارقوه بغير عذر.
والطريق الثاني - وهو قول عامة أصحابنا -: أنهم يفارقونه، فعلًا، لا حكمًا.
فعلى هذا: تبطل صلاتهم، قولًا واحدًا؛ لأنهم قاموا لقضاء ما عليهم قبل خروج الإمام من الصلاة.
والطريق الثالث - وهو قول الشيخ أبي حامد -: أن صلاتهم لا تبطل، قولًا واحدًا، وعليه يدل قول الشافعي، فإنه قال: (أحببت لهم أن يعيدوا الصلاة)، ولم يقل: يجب عليهم.
وإن صلى بهم صلاة عسفان في حال الأمن.. فصلاة الإمام وصلاة من سجد معه صحيحة، وأما صلاة من حرس: ففيها وجهان:
إن قلنا: السجدتان والجلسة بينهما ركن واحد.. لم تبطل صلاتهم؛ لأن الإمام سبقهم بركن واحد.
وإن قلنا: إنهما ركنان، وهو الأشبه بالمذهب.. بطلت صلاتهم.

.[فرع: صلاة الخوف في القتال المحرم]

قد ذكرنا أن القتال المحرم لا تصلى فيه صلاة الخوف، فإن خالف، وصلى فيه.. قال الشافعي: (أعاد).
قال الشيخ أبو حامد: أراد: إذا صلى به صلاة شدة الخوف، فإنه يعيد، فأما إذا صلى فيه إحدى الصلوات الثلاث: فحكمه حكم الآمن إذا صلاها، على ما مضى.

.[مسألة:صلاة الجمعة في الخوف]

ذكر الشافعي في صلاة الجمعة في الخوف أربع مسائل:
الأولى: إذا كان القتال في المصر، ووافق يوم الجمعة، وأراد أن يصلي بهم صلاة ذات الرقاع.. فإن الإمام يفرق الناس فرقتين: فرقة تقف في وجه العدو، ويخطب بفرقة، ولا يجوز أن تنقص هذه الفرقة عن أربعين، ويصلي بهم ركعة، ويثبت الإمام قائمًا في الثانية، ويتمون لأنفسهم، ويجهرون بالقراءة فيما بقي عليهم؛ لأنهم منفردون، ثم يمضون إلى وجه العدو، وتأتي الفرقة الثانية، ويصلي بهم الركعة التي بقيت عليه، وينتظرهم جالسًا، ويتمون لأنفسهم، ولا يجهرون بالقراءة؛ لأنهم في حكم إمامته، ويسلم بهم.
فإن نقصت الفرقة الثانية عن أربعين.. فهل تصح؟ فيه طريقان: الأول: من أصحابنا من قال: تصح قولًا واحدًا؛ لأن الجمعة قد انعقدت بالأولى.
والثاني: منهم من قال: فيه قولان، كالانفضاض.
فإن قيل: فالعدد شرط في جميع الجمعة، فكيف جاز أن يبقى الإمام - هاهنا - منفردًا من حين مضت الأولى؟
فاختلف أصحابنا في الجواب عن هذا:
فمنهم من قال: إنما بنى الشافعي هذه المسألة على أحد القولين في الانفضاض، وأنه إذا بقي وحده يصلي الجمعة.
ومنهم من قال: يجوز هاهنا، قولًا واحدًا؛ لأن الانفضاض من غير عذر، وهاهنا الانفضاض لعذر، وهو الخوف، ولأن مجيء الفرقة الثانية هاهنا يتوقت، وفي الانفضاض لا يتوقت مجيؤها.
فإن قيل: أليس قد قلتم: إن الجمعة إذا أقيمت في المصر الواحد مرة.. لا يجوز إقامتها ثانيًا، فلم جوزتم - هاهنا - للطائفة الثانية أن تصلي الجمعة مع الإمام، والجمعة قد أقيمت؟
فالجواب: أنا إنما نمنع استفتاح الجمعة في المصر بعد إقامتها مرة، وفي هذه المسألة لم تستفتح الجمعة بعد إقامتها، وإنما هو استدامتها؛ لأن الإمام لم يخرج من الجمعة، فالثانية تحرم مع الإمام بالجمعة، تبعًا له.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا يدل على أن الإمام إذا سبق بعض المأمومين بركعة من الجمعة، ثم سلم الإمام ومن معه، وقام المسبوقون لقضاء ما عليهم، فقدم الإمام رجلًا ليتم بهم، أو قدموا هم رجلًًا، وجوزنا ذلك، فأدركهم رجل، وصلى معهم ركعة.. أنهم إذا سلموا.. جاز له أن يقوم، ويأتي بركعة أخرى، وتكون له جمعة؛ لأن هذا وإن استفتح الجمعة، فهو تبع للإمام والإمام مستديم لها، لا مستفتح.
المسألة الثانية: إذا خطب الإمام بالطائفة الأولى، وهم أربعون، فمضوا إلى وجه العدو، وجاءت الثانية، فأحرم بهم الجمعة.. لم تصح في حقه وحقهم؛ لأن هذا في معنى من خطب وحده، وصلى الجمعة بأربعين، وذلك لا يصح.
فإن بقي من الأولى أربعون، ومضى الباقون، وجاءت الثانية.. جاز أن يصلي بهم الجمعة، تبعًا للأربعين الذين سمعوا الخطبة.
المسألة الثالثة: إذا خطب الإمام بالأولى، وصلى بهم الجمعة، وسلم، ثم خطب بالثانية، وصلى بهم الجمعة.. صحت الجمعة في حق الإمام والأولى، دون الثانية؛ لأنه لا تصح إقامة الجمعة في المصر مرة بعد مرة.
المسألة الرابعة: إذا كان الإمام والطائفة خارج المصر.. لم يجز أن يصلوا الجمعة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما حج.. وافق عرفة يوم الجمعة، فلم يصل الجمعة، وقد كان معه أهل مكة، ومعلوم أن عرفة دار إقامتهم، وإنما لا يستوطنونها، ولأن المسافر يجوز له أن يقصر إذا فارق بنيان البلد، ولا يجوز له إقامة الجمعة، حيث يقصر.
قال الشيخ أبو حامد: وقد كان الداركي يحكي عن أبي إسحاق: أن الجمعة لا تجوز في جامع براثا؛؛ لأنه خارج البلد، وإنما كان كذلك.. فلا فرق بين أن يكون بعيدًا، أو قريبًا، إذا كان منقطعًا عن البلد، أنه لا يجوز.

.[فرع: الخطبة في المسجد]

لو خطب بهم في المصر، وصلى بهم صلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بـ: عسفان.. جاز ذلك؛ لأنه إذا جاز أن يصلي بهم صلاة ذات الرقاع، والإمام يبقى منفردًا في بعضها.. فلأن يجوز هاهنا أولى.
ولو لم يمكن الإمام الجمعة، فصلى بهم الظهر، ثم أمكنه الجمعة، قال الصيدلاني: لم يجب عليهم، لكن على من لم يصل معهم، ولو أعاد.. لم أكره، ويقدم غيره؛ ليخرج من الخلاف.

.[فرع: صلاة الاستسقاء ونحوها]

فأما صلاة الاستسقاء في الخوف: قال الشافعي في "الأم" [1/201] (لا بأس أن يدع الاستسقاء، إلا أن يكون في عدد كثير ممتنع، فلا بأس أن يستسقي، ويصلي، كما يصلي في المكتوبات، وإن كان في شدة الخوف.. لم يصل الاستسقاء، ويصلي الخسوف والعيدين؛ لأنه لا يصلح تأخيرهما).
ومعنى ذلك: أن صلاة الاستسقاء لا يتحقق فواتها، وصلاة العيدين والخسوفين يتحقق فواتهما بخروج الوقت والتجلي.

.[مسألة:ترك حمل السلاح حال الصلاة]

قال الشافعي: (ولا أحب للمصلي ترك السلاح)، وهذا يدل على استحباب حمله في الصلاة.
وذكر في موضع آخر: (لا أجيز ترك السلاح)، وهذا يدل على وجوبه.
واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: هي على حالين: فالذي يجب حمله: هو السلاح الذي يدفع به عن نفسه، مثل: السكين والسيف، والذي استحبه هو ما يدافع به عن نفسه وعن غيره، كالرمح، والقوس؛ لأنه يجب عليه أن يدفع عن نفسه، ولا يجب عليه أن يدفع عن غيره.
ومنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: يجب، وبه قال داود؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102].
وهذا أمر، والأمر على الوجوب.
ولأنهم إذا وضعوا السلاح عنهم.. لم يأمنوا هجوم العدو عليهم، فيحتاجون إلى أخذ السلاح، وربما كان ذلك سبب هزيمتهم.
والثاني: (أنه لا يجب)، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وهو الصحيح؛ لأنه لو كان حمله واجبًا في الصلاة.. لكان شرطًا فيها.
وأما قَوْله تَعَالَى: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102].
فإنه أمر ورد بعد الحظر.
قال الشيخ أبو حامد: ولأنه لا خلاف أن حمل السلاح في الصلاة في غير حال الخوف مكروه ينهى عنه، ثم ورد الأمر بحمله في صلاة الخوف، والأمر بالشيء إذا ورد بعد النهي.. فإنه يقتضي الإباحة، كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2].
وإذا ثبت هذا: فالسلاح المختلف فيه: هو السلاح الطاهر، فأما النجس: فيحرم حمله.
فإن أصاب سلاحه دم، فإن ألقاه في الحال من يده.. جاز.
وإن أمسكه، للاحتياج إليه.. قال صاحب "الإبانة" [ق\ 98] فهل تجب عليه الإعادة؟ فيه قولان، بناء على المحبوس في الحش.
وإن جعله في الحال تحت ركابه.. جاز أيضًا، وإن كان متقلدًا له، فتركه.. بطلت صلاته.
قال الصيدلاني: فإن تنحى لغسله.. فوجهان.
إذا ثبت ما ذكرناه: فإن السلاح على قول من قال: هو على اختلاف حالين ينقسم خمسة أقسام:
الأول: قسم يحرم حمله: وهو السلاح النجس، مثل: السيف والسكين، إذا أصابهما دم، أو سقيا بسم نجس، أو النبل، إذا كان عليه ريش نجس.
والثاني: سلاح يكره حمله، وهو الثقيل الذي يشغله عن الصلاة، مثل: الدرع وأما البيضة: فإن كان لها أنف يمنع من وصول الجبهة إلى الأرض في السجود.. لم يجز حملها.
والثالث: يجب حمله، وهو ما يدافع به عن نفسه، مثل: السيف.
والرابع: يستحب حمله، وهو ما يدافع به عن نفسه، وعن غيره، مثل: القوس، والنشاب، والجعبة.
والخامس: ما يختلف باختلاف موضع المصلي، وهو الرمح، فإن كان المصلي في حاشية الناس، بحيث إذا ركع، وسجد..يمكنه أن يضعه، بحيث لا يتأذى به أحد.. استحب حمله، وإن كان في وسط الناس.. لم يستحب حمله.
وأما على قول من قال: المسألة على قولين.. فينقسم السلاح عنده على أربعة أقسام:
الأول: قسم يحرم حمله، وهو النجس.
والثاني: قسم يكره حمله، وهو الثقيل الذي يشغله عن أفعال الصلاة.
والثالث: يختلف باختلاف موضع المصلي، وهو الرمح.
والرابع: هل يجب حمله؟ على قولين، وهو ما يدافع به عن نفسه، وعن غيره.

.[فرع: السيف المسقي سما]

فإن سقى سيفه سمًّا نجسًا، ثم غسل ظاهره.. طهر، وإن لم يصل إلى باطنه.
هكذا قال ابن الصباغ.
وإن أدخل في النار، فقيل: إنه قد ذاب وزال، حتى لم يبق منه شيء.. لم يطهر حتى يغسل، وإن مسح.. لم يطهر.
وقال أبو حنيفة: (يطهر). وقد مضى ذكر ذلك.

.[مسألة:المتمكن يصلي قاعدًا]

قال في "الإبانة" [ق\ 98] يجوز للمتمكن أن يصلي قاعدًا؛ مخافة أن يراه العدو.
وفي الإعادة قولان، بناء على القولين في المحبوس في الحش.

.[مسألة:الصلاة في شدة الخوف]

قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (وإن كان الخوف أشد من ذلك، وهي المسايفة، والتحام القتال، ومطاردة العدو، حتى يخافوا إن ولوا أن يركبوا أكتافهم، فيكون سبب هزيمتهم.. فيصلون كيف ما أمكنهم، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها، ركبانًا على دوابهم، ومشاة على أقدامهم، يومئون بالركوع والسجود، ولا يجوز لهم إخراج الصلاة عن وقتها).
وكذلك الرجل، إذا خاف من سبع، أو كافر، إن اشتغل بالصلاة ركبه.. جاز أن يصلي صلاة شدة الخوف.
وقال أبو حنيفة: (إذا كان الحال هكذا، ولا يتمكنون من الركوع والسجود.. جاز لهم تأخير الصلاة عن وقتها، فأما إذا زال ذلك.. صلوا).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239].
قال ابن عمر: (مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها).
وروى ابن عمر: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى صلاة شدة الخوف)، فذكر كمذهب أبي حنيفة، ثم قال: (فإذا كان الخوف أشد من ذلك.. صلوا كيف أمكنهم، مشاة وركبانًا، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها). وقد روي ذلك موقوفًا على ابن عمر.